• الصلاة القادمة

    الفجر 11:34

 
news Image

ولأنها الحرب، فقد استدعت «الجزيرة» مدفعيتها الثقيلة، فجاء فوزي بشرى من الظل إلى الواجهة، بتقاريره النارية، «فقطع دابر الذين ظلموا»، حيث دك حصون العدو، ورد العدوان، الذي تقوم به الترسانة الإعلامية، للقوم في المملكة العربية السعودية، وفي الإمارات، لا نذكر هنا الإعلام السيساوي، تماماً كما تجاهل بيان الخارجية القطرية الذي سمى الدول التي تحاصر قطر، بأنها ثلاث دول: السعودية، والإمارات، والبحرين، على نحو جعل من السيسي أضحوكة على مواقع التواصل الاجتماعي!
«تقرير» واحد لفوزي بشرى، كان حديث الناس، ولم يكن تقريره حول ما أسماه «التحفيط السياسي»، هو الأخير، فقد جاء لموقعه في الصدارة، في حرب لا يبدو لها أنها ستنتهي قريباً، فذكرنا بهذا الصوت المقبل من أعماق الإعلام العربي، بزمن كانت الأصوات الإذاعية تخترق الآذان إلى القلوب، وكان البسطاء قبل غيرهم يعرفون مقدمي البرامج في الإذاعات بأصواتهم، وقبل أن تدخل المجاملات المجال، فلا يراعي الاختيار الصوت ولا الصورة، حتى ظننا أن الأصوات الجميلة تنتمي للماضي، دعك من الصورة، فقد وجدوا الحل في «المكياج»، وقديما قال ابن أبيه «لبس البوصة تصير عروسة»!
لا أعرف كم عمر الفتى فوزي بشرى، فالأشقاء في السودان، لا تلحق بهم الشيخوخة، ولي صديق سوداني كان يعمل صحافياً في القاهرة عندما مات، ظننت أنه «خُطف»، وهو في ريعان الشباب، قبل أن أفاجأ بأنه على أعتاب السبعين، لكن فوزي بشرى يبدو شاباً فعلاً، ومن هنا فإنه ينتمي بروحه وصوته، وليس بعمره، للزمن الجميل، وبصوته أعادنا إلى هذا الزمن، الذي كنا نشاهد أهلنا على بساطتهم يعرفون: محمد الأزرق، وأيوب صديق، وماجد سرحان وغيرهم، بمجرد أن يقول أحدهم «هنا لندن»!
وأزمة الأصوات ليست قاصرة على المجال الإذاعي والتلفزيوني، فهي وصلت إلى مجال الغناء والطرب، وإلى مجال القراءة والتجويد فصار الجيل الجديد من «المقرئين»، هم مقلدون، واستعراضيون، لا يميزون بين القراءة في المآتم والقراءة في الأفراح، ويعوضون ضعف الصوت باستخدام الحيل للتنافس في ساحة أيهم أطول نفساً.
فوزي بشرى ليس صوتاً جميلاً فقط، فهو على جمال الصوت، الذين يبدو لمن تبقى من جيل «السمعية» أنه هبة ربانية لأهل السودان، فانه ساحر في كتابة التقارير التلفزيونية؛ ذلك بأن من البيان لسحرا.

سيارة دفع رباعي

في تقريره «التفحيط السياسي»، أعلن بشرى، أنه اشتق هذا الاصطلاح من هذه اللعبة الخطرة المعروفة في دول الخليج «التفحيط»، وقبل أن تستمع لصوته آتياً من أعماق زمن الإذاعات الناطقة بلغة الضاد في مرحلة النشأة والتكوين، كانت صورة سيارة دفع رباعي، تمارس هذه اللعبة، بشكل لا بد وأن يلفت أنظار المشاهدين، فهل هذه الصورة هي من باب الدعاية لهذا النوع من السيارات، المنتشرة في دول الخليج؟ وإن كانت في مصر تستمد سمعتها من محاولة لصقها بالإرهاب، فأعضاء حركة حماس، وحزب الله، والحرس الثوري الإيراني، الذين فتحوا السجون في ليلة الثورة، قالت أجهزة الأمن إنهم جاءوا من غزة في سيارات دفع رباعي، والعملية الإرهابية مؤخراً في محافظة المنيا، التي راح ضحيتها عدد من الأقباط، قال البيان الأمني إن مرتكبي الحادث جاءوا من ليبيا في سيارات دفع رباعي، ومن الدعاية المكثفة، فإنه ليس أمام رجل الأمن في مصر عندما يرى سيارة دفع رباعي إلا أن يخرج سلاحه ويضرب «في المليان»!
وفي ثوان وقبل أن ينتبه مشاهد قناة «الجزيرة»، إلى أن المشهد لا يمكن أن يمثل إعلاناً ترويجياً للسيارة التي يشاهدها، فقد انقلبت، جاء صوت فوزي بشرى، ليؤكد أنها لعبة «التفحيط» الخطرة التي تمارس في الخليج ولا تخلو من رعونة تؤدي إلى نتائج وخيمة، فهذه الصورة ليست أكثر من مقدمة لتقرير تلفزيوني، يوضح مفهوم «التفحيط السياسي»، الذي مارسته ثلاث دول خليجية ضد قطر، هي السعودية، والإمارات، والبحرين، ولم يذكر مصر، عامداً متعمداً، وذلك يظهر جلياً في ذكره البحرين وهي من التابعين غير أولى الإربة، فلا أظن أن مشاركتها في الحصار، تمثل قيمة، فأنا أقيم في الدوحة منذ الانقلاب العسكري، ولم يحدث أن شاهدت ولو «بيضة» في متاجر قطر مكتوب عليها صنعت في البحرين، وما دامت قد ذكرت على هوانها، فكان الأمر يستدعي ذكر مصر- السيسي، لكن وعلى ما يبدو أن تجاهلها يأتي في سياق منح رسامي الكاريكاتير الفرصة في إضحاك الناس بهذا التجاهل، ولم تكن آخر هذه الرسومات الكاريكاتير الذي يُظهر وزير الخارجية المصري، وهو يستعرض رد الفعل على الحصار الذي قامت به ثلاث دول، فيسأل السيسي إن كان متأكداً فعلاً أنه شارك في الحصار؟!

العبارة الجامعة

«تخلصوا من قطر يخلُ لكم وجه ترامب»، هذه هي العبارة الجامعة المانعة، التي لخصت دوافع الدول الثلاث بدون إسهاب، أو «لت» و «فت»، في ممارسة «التفحيط السياسي»، وقيادة هذه الدول برعونة، على النحو الذي انتهى بالقرار إلى أن يكون ممارسة للعبة خطرة، نتائجها عبرت عنها صورة السيارة التي تمارس لعبة «التفحيط» وانتهى بها المطاف منقلبة بسبب هذه الرعونة التي أشار إليها «بشرى»!
عبارة صاحبنا استلهمها من الآية الكريمة «اقتلوا يوسف أو أطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم»، عندما عقد «أخوة يوسف» العزم على التخلص من أخيهم، ليخلُ لهم وجه أبيهم المشغول عنهم بيوسف.
فالدول الثلاث المحتشدة، (دولتان للدقة) فالبحرين كمصر، تريد أن تستأثر بوجه ترامب، لكن الدوحة ومنذ عشرين سنة صارت رقماً صحيحاً، منذ أن قررت أن تمارس استقلالها، ولا يمكن البحث عن حل مثلا للقضية الفلسطينية ولا يتطرق الحديث عن دور لقطر، التي تملك الكثير من الأوراق ليس في هذه القضية وحدها ولكن في العديد من القضايا الإقليمية، مما أثار حفيظة «أخوة يوسف»، وكانت العلاقة تقوم على الشد والجذب، وبدا واضحاً أن أهل الحكم في السعودية، اقتنعوا مؤخراً بالحكمة القائلة: «إذا كبر ابنك خاويه»، أي اتخذه أخاً، إلى أن ظهر محمد بن سلمان المختطف ذهنياً من قبل محمد بن زايد، فكان الشعار «يا داهية دقي»!
لا أمان لمحمد بن زايد، ولو صفا، لأن مشروعه لا تقوم له قائمة، في ظل توافر الإرادة القطرية، بأدواتها، والذي تبين أنها تمتلك ثلاثة أسلحة فتاكة، كنا نعلم منهم قبل هذه الأزمة سلاحان: «الإرادة السياسية» وقناة «الجزيرة»، فظهر السلاح الثالث وهو الدبلوماسية النشطة، التي تحتاج إلى رصد وتحليل بعد أن تلقي الحرب أوزارها، وهو أمر يدخل ضمن اختصاص أهل الذكر في مجال العلاقات الدولية، حتى لا يتم ابتذال الدور بخفة الهواة والمتطفلين.
وهذا التفوق الدبلوماسي، أظنه سيكون سبباً من أسباب زيادة الحنق من الدولتين اللتين تقومان بتبني المخطط الصهيوني في المنطقة، والذي يستهدف تمزيقها، وتعد «صفقة القرن»، التي تحدث عنها عبد الفتاح السيسي هي إحدى أهداف هذا المشروع، الذي تمثل له قطر حجر عثرة، فأصاب القوم ما أصاب «أخوة يوسف» لكن «ترامب» ليس أباهم، هو بالكاد زوج الأم، لمن يريدون أن يقتلوا قطر ليخلُ لهم وجهه!

العهن المنفوش

تقرير تلفزيوني، لفوزي بشرى، دك به حصون القوم، وفي التقرير عبارة لخصت المشهد برمته «اقتلوا قطر يخلً لكم وجه ترامب»، جعلت من أداء الترسانة الإعلامية السعودية – الإماراتية كعهن منفوش، وقد هبط أداء هذه الترسانة إلى «حضيض الردح، وفرش الملاية»، وبالخوض في الأعراض والتطاول على الأنساب، حتى دفعوا المتابع للسؤال: من أين جاء هؤلاء القوم؟ فهل يعقل أنهم تربوا على القيم العربية الأصيلة؟ ومن أغراهم إلى حد التحلل من هذه القيم، والعودة إلى زمن الجاهلية الأولى؟!
لقد تأثروا بالإعلام الذي يمولونه في القاهرة، فظنوا أنه نجح في مهمته، ولم يعلموا أن المشاهدين قد انصرفوا عنه لابتذاله وعدم مهنيته، وأن الصحف والمواقع الالكترونية، التي تتحدث عن ملايين القراء، هي تقوم بأعمال السحر، لتوحي لمحمد دحلان مندوب محمد بن زايد، أن المال الخليجي لم يجر تبديده على الفشل، وبالظن أنه إعلام ناجح، فقط هبط الإعلام في السعودية والإمارات إلى مستواه، وكانت حملة الإبادة الإعلامية، التي أجهز عليها تقرير – مجرد تقرير – لفوزي بشرى وضع النقاط فوق الحروف، وأظهر الهدف من الحصار، فالدولتان ومعهما البحرين تمارسان تلك اللعبة الخطرة المعروفة في دول الخليج بـ «التفحيط»، وأن الهدف من الدعوة لقتل قطر، هي أن يخلُ لهم وجه ترامب، ولم ينتبهوا للحكمة التي تقول: «الضربة التي لا تقتلك تقويك»!
تقرير في قناة، وجملة في التقرير، كان وكانت سبباً في حديث الشباب عنها عبر «السوشيال ميديا»، فهل يعرفون «فوزي بشرى»، القادم من الظل، أم أن هذا الاحتشاد، بالصوت، والصورة، وجمال العبارة، هو الذي دفعهم للبحث عنه فوجدوا عشرات التقارير في ساعات الجد، لنحات عظيم ينحت الكلمات والمصطلحات، ويلخص قضايا يفسدها تلخيص غيره، ومن تنحي مبارك ودقة الوصف المستلهم من القرآن الكريم: «اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية»، إلى تقرير عن علي عبد الله صالح!
إنها «الجزيرة»، التي تدفع نظام عبد الفتاح لأن يعلن أن القناة القطرية تهاجمه دون أن يمكنه إعلان الدليل على ذلك، لأن الدليل هو جمع المتناقضات في خطبه وبدون تعليق من ناحيتها، مجرد «برومو»، يصيب القوم باللوثة العقلية!
إنها «الجزيرة» التي تحشد مقاتليها فتجعل أسلحة الآخرين هشيماً تذروه الرياح.
إنها «الجزيرة»، التي يطالبون بإغلاقها، ففي وجودها لا يمكنهم تنفيذ مخططاتهم ومنها صفقة القرن بسهولة ويسر.
ونحن نشكر الظروف، التي كانت سبباً في أن نغسل آذاننا بكلمات فوزي بشرى وبصوته، فردتنا هذه الظروف إلى زمن الأصوات الإذاعية القوية، والجميلة!
فهذا صوت آت من أعماق التاريخ الإذاعي.

أضف تعليقك